السيد هاشم البحراني
651
البرهان في تفسير القرآن
بالمدينة قوما ليس نحن بأشد جهادا لك منهم ، ولو علموا أنها الحرب لما تخلفوا ، ونحن نعد لك الرواحل ونلقى عدونا ، فإنا نصبر عند اللقاء ، أنجاد في الحرب ، وإنا لنرجوا أن يقر الله عينك بنا ، فإن يك ما تحبه فهو ذاك ، وإن يك غير ذلك قعدت على راحلتك فلحقت بقومنا . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « أو يحدث الله غير ذلك ، كأني بمصرع فلان ها هنا وبمصرع فلان ها هنا ، وبمصرع أبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومنبه ونبيه ابني الحجاج ، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، ولن يخلف الله الميعاد » . فنزل جبرئيل ( عليه السلام ) على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بهذه الآية * ( كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ) * إلى قوله : * ( ولَوْ كَرِه الْمُجْرِمُونَ ) * « 1 » . فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالرحيل حتى نزل عشاء على ماء بدر ، وهي العدوة الشامية ، فأقبلت قريش فنزلت بالعدوة اليمانية ، وبعثت عبيدها تستعذب من الماء ، فأخذهم أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وحبسوهم ، فقالوا لهم : من أنتم ؟ قالوا : نحن عبيد قريش . قالوا : فأين العير ؟ قالوا : لا علم لنا بالعير . فأقبلوا يضربونهم ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يصلي ، فانفتل من صلاته ، فقال : « إن صدقوكم ضربتموهم ، وإن كذبوكم تركتموهم ! علي بهم » . فأتوا بهم ، فقال لهم : « من أنتم ؟ » فقالوا : يا محمد ، نحن عبيد قريش . قال : « كم القوم ؟ » قالوا : لا علم لنا بعددهم . فقال : « كم ينحرون في كل يوم جزورا ؟ » قالوا : تسعة إلى « 2 » عشرة . فقال : « تسع مائة إلى ألف » قال : « فمن فيهم من بني هاشم ؟ » فقالوا : العباس بن عبد المطلب ، ونوفل بن الحارث ، وعقيل بن أبي طالب . فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بهم فحبسوا ، وبلغ قريشا ذلك ، فخافوا خوفا شديدا . ولقي عتبة بن ربيعة أبا البختري بن هشام ، فقال له : أما ترى هذا البغي ؟ والله ما أبصر موضع قدمي ، خرجنا لنمنع عيرنا وقد أفلتت فجئنا بغيا وعدوانا ، والله ما أفلح قط قوم بغوا ، ولوددت أن ما في العير من أموال بني عبد مناف ذهب كله ، ولم نسر هذا المسير . فقال له أبو البختري : إنك سيد من سادات قريش فسر في الناس وتحمل العير التي أصابها محمد وأصحابه بنخلة ودم ابن الحضرمي ، فإنه حليفك . فقال عتبة : أنت تشير علي بذلك ، وما على أحد منا خلاف إلا ابن حنظلة - يعني أبا جهل - فسر إليه وأعلمه أني قد تحملت العير التي قد أصابها محمد بنخلة ، ودم ابن الحضرمي . قال أبو البختري : فقصدت خباءه ، فإذا هو قد أخرج درعا له ، فقلت له : إن أبا الوليد بعثني إليك برسالة . فغضب ثم قال : أما وجد عتبة رسولا غيرك ؟ فقلت له : أما والله لو غيره أرسلني ما جئت ، ولكن أبا الوليد سيد العشيرة ، فغضب غضبة أخرى ، وقال : تقول : سيد العشيرة ؟ ! فقلت : أنا أقول وقريش كلها تقول ، أنه قد تحمل العير ، وما أصابه محمد بنخلة ، ودم ابن الحضرمي .
--> ( 1 ) الأنفال 8 : 5 - 8 . ( 2 ) في المصدر : أو .